غزة- رام الله:

دعت صحافيات إلى توطين صناديق الطوارئ الموجهة للإعلاميات في الوطن العربي، وإشراكهن في لجان الطوارئ تخطيطًا وإعدادًا، كونهن على احتكاك مباشر مع الفئات المهمشة والمتضررة، الأمر الذي سيسهم في إثراء هذه الخطط، وجعلها أقرب إلى أولويات المواطنين، واحتياجات النوع الاجتماعي في مناطقهن.

جاء ذلك في ختام مؤتمر الإعلاميات يتحدثن (5)، الذي نظمته مؤسسة “فلسطينيات” بالشراكة مع “هنرش بل” الألمانية، في كل من مدينتي رام الله وغزة، بعنوان “الإعلاميات العربيات في زمن الجائحة”، إذ لم تقتصر المشاركة فيه –وللمرة الأولى- على الصحافيات الفلسطينيات، بل شمل صحافيات من عدة دول عربية عبر تقنية “زووم” استجابةً لحالة الطوارئ التي تعيشها فلسطين، بسبب جائحة “كورونا”.

ويهدف المؤتمر الذي عقد على مدار يومين، إلى تسليط الضوء على تجربة الإعلاميات العربيات في مواجهة جائحة “كورونا”، وكشف انعكاساتها على الواقع السياسي، والمهني، والاجتماعي، والاقتصادي لهن، عبر عرض شهاداتهن التي تفاوتت ما بين “تجارب الإصابة”، و”العقبات التي واجهتهن خلال ممارسة المهنة في ظل الإغلاق”.

وشددت التوصيات، على ضرورة مواكبة الصحافيات لكافة أدوات التكنولوجيا الحديثة، التي أصبحت –اليوم- عصبًا للعمل الإعلامي، بالإضافة إلى المشاركة في دوراتٍ مفيدة تواكب وتخدم أوضاع الأزمات، والعمل على إنشاء خلية إعلامية وطنية، لمواجهة حالات الطوارئ، تساعد في مواكبة كافة المعلومات المستحدثة، وتمثل مصدرًا موثوقًا من ناحيةٍ إعلامية لمواجهة الشائعات وحصرها.

وأكدت المشاركات في المؤتمر، على ضرورة إفساح المجال أمام إنتاج المزيد من المحتوي الصحفي النسوي، خاصةً وقت الأزمات، واستضافة ذوي/ات الاختصاص، في البرامج الحوارية، والتقارير، والتحقيقات، ونشرات الأخبار الرئيسية، والمواقع الإخبارية، والصفحات الأولى للصحف، مناديات بضرورة تطوير الاستراتيجيات الإعلامية للمؤسسات العاملة، وبناء قدراتها في الاتصال، وتأسيس صندوق مالي لدعم وسائل الإعلام المستقلة، ناهيك عن تطوير المنصات الإلكترونية للصحافة الورقية، وكيفية تغطية الأوبئة إعلاميًا، والوسائل المستخدمة في نشر المحتوى الخبري.

الجلسة الافتتاحية

في بداية الجلسة الافتتاحية المؤتمر، أجابت وفاء عبد الرحمن مديرة مؤسسة “فلسطينيات” على سؤال متكرر، “لماذا الإعلاميات يتحدثن؟ ولماذا في زمن الجائحة؟”، فقالت: “مؤتمرنا عنوانه الموّحد الإعلاميات يتحدثن، لأنه اليوم الوحيد خلال العام غالبًا، الذي تُعطى فيه النساء فرصة اعتلاء المنصة والحديث عن واقعها الإعلامي، والعقبات التي تواجهها خلال خوض غماره”.

عبد الرحمن: هنا مساحتنا الوحيدة للتعبير عن ذواتنا، لقد اكتفينا من إدارة الجلسات، واستقبال ضيوف المؤتمرات، هذا دورنا كي نكون نحن ضيفات الحدث

وتضيف: “هنا مساحتنا الوحيدة للتعبير عن ذواتنا، لقد اكتفينا من إدارة الجلسات، واستقبال ضيوف المؤتمرات، هذا دورنا كي نكون نحن ضيفات الحدث، وصاحبات الصوت”.

وأوضحت عبد الرحمن، أن “فلسطينيات”، وشبكة “نوى” التابعة لها، ونادي الإعلاميات الفلسطينيات كذلك، تأثروا بالجائحة التي أرخت بظلالها على مجريات العمل، “حين التزمنا البيوت، وطُلب منا العمل لساعات مضاعفة اختلطت بساعات العائلة والراحة”.

وتتابع: “وصلتنا خلال هذه الفترة شكاوى زميلاتنا، فمنهن من فقدت عملًا، ومنهن من تقلص راتبها، ومنهن من أنّت من كثرة الأعباء وآثارها النفسية عليها وعلى علاقاتها الأسرية”، ملفتةً إلى إدراك المؤسسة لفرضية أن “البحث في آثار الجائحة” ما زال مبكرًا في ظل استمرارها، “إلا أن عقد المؤتمر جاء لما قد يسهم به من وضع تصورات لتجاوز الأزمة، وحلول قد تمكن إعلاميات من المرور عنها بأقل الخسائر”.

أما “لماذا الإعلاميات العربيات أيضًا؟” فتجيب مديرة المؤسسة بالقول: “لأن الجائحة ليست شأنًا فلسطينيًا صرفًا كالاحتلال والحصار؛ بل كارثة كونية تشابهت فيها أحوال الناس والحكومات، من حيث (الخوف، والاحتماء بالبيوت، وكشف عورات الأنظمة الصحية، وأنظمة الحماية الاجتماعية، والتدهور المعيشي والاقتصادي)”، معلقةً: “لقد تحول العالم لقرية أصغر من تلك التي أنتجتها العولمة”.

بدورها أعربت د.ريهام هلسة، ممثلة “هنرش بل” في فلسطين، عن تقديرها لأهمية عقد المؤتمر رغم ظروف الجائحة، سيما وأن الدفاع عن حقوق الإنسان، هو أحد الأهداف الرئيسية للمؤسسة، المهتمة بالديمقراطية، والتنمية البيئية، وحقوق المرأة.

وتحدثت هلسة عن سعادتها بالشراكة مع مؤسسة “فلسطينيات” التي استمرت لسنوات، خاصة في هذا العام، حيث أنجزت المؤسسة العديد من الأنشطة، على صعيد رفع قدرات الصحافيات في الضفة وغزة، وإنتاج مواد إعلامية مقروءة ومرئية، وتقديم الدعم للصحافيات من أجل مواجهة تحديات “كورونا”.

اليوم الأول

في الجلسة الأولى لليوم الأول، التي حملت عنوان “تسييس الجائحة وأولويات التغطية”، قدمت الإعلامية دنيا الأمل إسماعيل ورقة عمل بعنوان: “قراء نسوية لتسييس الجائحة في العالم العربي، وأثره على ترتيب أولويات التغطية في غرف الأخبار”، خلُصت فيها إلى أن فايروس “كورونا” ساهم في تقوية مواقف الحكومات القائمة، أكثر من مواقف معارضيها، مع عدم استبعاد احتمالات حدوث زعزعة للاستقرار؛ بسبب الضغط الاقتصادي الكبير المسلّط على المواطنين، “الذي قد لا تحتمل آثاره لفترة طويلة”.

وقالت إسماعيل في ورقتها: “تتجه الأمور في كثير من الدول العربية، إلى إعلان حكومات طوارئ بهدف تطويق الأزمات وتجاوزها أكثر من كونها حكومات طبيعية تمارس دورها بما يحقق رضا الجماهير عنها”.

اسماعيل:دور الإعلام العربي بالمجمل، لم يكن بمستوى يتفق مع ثقل اللحظة الراهنة، باستثناء حالات قليلة قدّمت إسهامات جدّيّة تُحترم

وأضافت: “دور الإعلام العربي بالمجمل، لم يكن بمستوى يتفق مع ثقل اللحظة الراهنة، باستثناء حالات قليلة قدّمت إسهامات جدّيّة تُحترم، فقد غاب مفهوم إدارة الأزمة عن المشهد الإعلامي العربي إجمالًا، لصالح غلبة الجانب الرصدي الكمّي، مع تقديم جرعات خفيفة من التوعية والتثقيف، مقابل إشغال مساحات وافية للنقاش حول تأثير الفيروس، في تقوية وجود ودور الدولة القومية وتعزيز الوطنية”.

وقدمت الصحافية ملاك خالد من لبنان، شهادةً حول “أولويات التغطية، وتجربتها كصحافية متعافية من فيروس كورونا”، فيما قدمت داما الكردي من الأردن، شهادةً حول تحديات التغطية الإعلامية في زمن “كورونا”، أما الصحفية لينا عطا الله من مصر، فتحدثت عن حالة الحريات في زمن الجائحة، في الوقت الذي تحدثت فيه الصحفية نائلة خليل من فلسطين، عن أولويات التغطية في فلسطين، كتجربة إدارة تحرير.

وحملت الجلسة الثانية للمؤتمر عنوان: “تسييس الجائحة وأثره على الحريات”، قدمت فيه الباحثة هنادي دويكات نتائج دراسة، بينت أن إعلان حالة الطوارئ مسّ بشكلٍ مباشر بحرية التعبير عن الرأي في فلسطين.

وأضافت: “تعرّضت صحافيات لضغوط وانتهاكات من قبل المؤسسات الإعلامية، “أبرزها كان يتعلق بتخفيض الرواتب، وإجبارهن على العمل من المنزل، واقتطاع إجازاتهن السنوية، رغم عدم قانونية ذلك، وإغلاق الحضانات والمدارس، وقرارات النصف راتب، ووقف الترقيات، وتغيير السياسات داخل المؤسسات، وإجبارهن على تنفيذ هذه القرارات”.

وتابعت: “الصحافيات اشتكين عدم تعاطي المسؤولين الحكوميين معهن عند التغطية، وأنهن بتن يخشين التعبير عن آرائهن، خوفًا من تطبيق بنود قانون الطوارئ، وقانون الجرائم الإلكترونية، إضافةً إلى عرقلة حركتهن”، مؤكدةً أن القرارات الحكومي أثّرت –أيضًا- على مصداقية المعلومات التي كانت تصل إلى الجمهور.

وفي الإطار ذاته، تحدثت الإعلامية نسمة الحلبي من غزة، عن تسييس الجائحة، وأثر ذلك على الحريات في فلسطين، فيما ركّزت الصحفية خلود العامري من العراق على تأثير الجائحة على الحريات الإعلامية في العراق، بينما استهدفت الصحفية ليال بهنام من لبنان، المشهد الإعلامي في بلادها بفعل تسييس الجائحة، في حين استعرضت الصحفية هديل غبون من الأردن، التحديات والمسؤوليات في ظل استمرار الجائحة.

اليوم الثاني

وفي اليوم الثاني للمؤتمر، قدمت الإعلامية هداية شمعون، قراءة تحليلية للاستطلاع الاستكشافي حول تأثير كورونا على الإعلاميات في فلسطين، الذي أجرته مؤسسة “فلسطينيات” في الضفة الغربية وقطاع غزة.

شمعون:هناك حاجة لإجراء دراسات متخصصة، كمية وكيفية، لتشخيص واقع الإعلاميات بعد جائحة كورونا،

تحدثت شمعون عن اختلاف الأدوات، وطرق المقابلات، التي استخدمت في تنفيذ الاستطلاع، ونتج عنها أن “الجائحة” شكلت نقلة إجبارية للجميع، وأوجدت تحديات أخرى لدى الإعلاميات، بعضهن تمكن من استثمار الفرصة، بينما أخريات لم يفلحن في ذلك”.

وشددت شمعون على الحاجة لإجراء دراسات متخصصة، كمية وكيفية، لتشخيص واقع الإعلاميات بعد جائحة كورونا، من أجل رفد المؤسسات الإعلامية المتخصصة باستنتاجات وتوصيات، من شأنها تشكيل خارطة طريق لما يجب القيام به من أجلهن، قائلةً: “من الضروري الإصغاء لصوت الإعلاميات المهمشات، ووضع خصوصية للإعلاميات الفلسطينيات وفق مناطقهن، نظرًا لاختلاف السياق الاجتماعي والسياسي لكل منطقة، وإشراك الإعلاميات في لقاءات موسعة لتحديد احتاياجاتهن”.

وقدمت الإعلامية نبال ثوابتة، مديرة مركز تطوير الإعلام في جامعة “بيرزيت” من رام الله، شهادةً حول تجربة العمل من البيت، وواقع الصحافيات والمسؤوليات المتعددة خلال جائحة “كورونا”، وما إذا كُنّ اجتزنَ الامتحان، أم لا.

ومن اليمن، تحدثت الصحفية نور سريب، حول العمل من البيت وأثره على واقع عمل وحياة الصحافيات في اليمن، في حين قدمت الصحفية إيمان عبد القادر من مصر، شهادةً حول عمل الصحافيات من المنزل والمسؤوليات والأعباء الملقاة على عواتقهن، في الوقت الذي تحدثت فيه لجين حاج يوسف من سوريا، حول تأثر “كورونا” على الأمان الوظيفي وزيادة المسؤوليات.

أما على مستوى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948م، فقد تحدثت الصحفية خلود مصالحة، عن تجربة الصحافيات في الداخل المحتل، أثناء تغطية جائحة “كورونا”.

وفي الجلسة الثانية لليوم الثاني، قدمت الصحافية رولا عليان ورقة عمل بعنوان “واقع المؤسسات الإعلامية في ظل الجائحة، التمويل والدعم الدولي والمحلي، وأثره على الإعلاميين/ات والبدائل”.

عليان:مصادر تمويل المؤسسات الإعلامية في الوطن العربي، تأثرت كغيرها بجائحة كورونا، حيث تراجعت الإعلانات التجارية التي تشكّل في العديد من الدول أهم الموارد المالية لوسائل الإعلام

وقالت: “إن مصادر تمويل المؤسسات الإعلامية في الوطن العربي، تأثرت كغيرها بجائحة كورونا، حيث تراجعت الإعلانات التجارية التي تشكّل في العديد من الدول أهم الموارد المالية لوسائل الإعلام، كما في لبنان ومصر التي تراجع فيها دخل الإعلانات بنسبة 75%، إلى جانب تراجع اشتراكات الجمهور، والبيع المباشر للمطبوعات، وهو أمر مرتبط بتبعات الجائحة”.

وأضافت: “الصحفيات ورغم مشاركتهن لزملائهم الصحفيين في تلقي آثار القرارات السلبية الصادرة عن المؤسسات الإعلامية بحقهم، إلا أنهن عرضةً لضغوط أكثر من الناحية الاقتصادية، كونهن يشكلن المجموع الأكبر للعاملين بدوامٍ جزئي، والعاملين غير الرسميين في جميع أنحاء العالم، وهي الوظائف التي يتم التخلي عنها أولًا خلال الأزمات كما في كورونا”.

وشددت على ضرورة إعادة قراءة منظومة العمل بين المؤسسات الإعلامية والصحفيين والصحفيات، بحيث يكون لزامًا على المؤسسة اتباع إجراءات معينة، عند اتخاذ قرارات إنهاء التعاقد، بما يحفظ للصحفي أو الصحفية حقوقه كاملة.

وتحدثت الصحافية مبروكة خذير من تونس، حول أولويات الدعم، وأسس بناء القدرات في ظل الجائحة من وجهة نظر إعلامية، وقدمت الإعلامية روان الضامن من شبكة أريج في الأردن، ورقة حول تجربة الشبكة في ظل الجائحة، في الوقت الذي تحدثت فيه لمى الحوراني من مؤسسة دعم الإعلام الدولي برام الله، عن دعم المؤسسات الإعلامية والمجموعات في العالم العربي، وركزت فيه الإعلامية مادونا خفاجة من شبكة الصحفيين الدوليين في دبي، في كلمتها على ما يمكن تقديمه للصحافيين/ات في ظل الجائحة من دعمٍ نفسي واجتماعي ومالي.